عبد السلام مقبل المجيدي
83
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
وتم إعداده إعدادا إليها « 1 » ، فلا مجال فيه لمانع ذاتي يمنع أو يشوش على تلقي ألفاظ القرآن الكريم . 2 - ينخلع النبي صلى اللّه عليه وسلم من قدرته البشرية عند رؤيته الملك ، وسماعه الوحي مع بقائه على خلقته البشرية ، فالمراد انخلاع القوى الباطنة ، لا الخلقة الظاهرة « 2 » ، فالرؤية والسماع يكونان من المركزين المباشرين للسمع والبصر في الفؤاد ، إذ ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى " النجم / 11 " « 3 » ؛ ولذا كان صلى اللّه عليه وسلم يأتيه الوحي شديدا عنيفا ؛ إذ يتوجب عليه بذل قوى فوق الطاقة البشرية للسماع غير المعتاد بشريا ، والرؤية غير المعتادة بشريا ، والملكة القوية في الحفظ مما لا يعتاد بشريا ، زيادة في التأكيد على المحفوظ إذ كان ذلك من لوازم جمعه في صدره ، وليتمكن من رؤية جبريل عليه السلام وسماعه ، وهو ما لا يراه من حوله ، ولا يستطيعون سماعه « 4 » ، وعبر عن ذلك ابن خلدون - رحمه اللّه تعالى - فقال : " وصنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة ، جسمانيتها وروحانيتها إلى الملائكة من الأفق الأعلى ، ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل ، ويحصل له شهود الملأ الأعلى في أفقهم ، وسماع
--> ( 1 ) انظر : الفصل الثاني - المبحث الأول . ( 2 ) فلا يرد على هذا الكلام القول بالتناسخ ، أو قدرة البشر على التشكل ؛ إذ ذاك ليس لهم ، ولا في إمكانهم ، وينبغي أن يفسر كلام العلماء الذين سينقل عنهم - بعد قليل - في هذا الموضوع بهذا التفسير ؛ إذ إن بقاء النبي صلى اللّه عليه وسلم في خلقته البشرية آن نزول الوحي عليه ثابت تواترا كما يلاحظ ذلك في النصوص التي ترد في هذا البحث . ( 3 ) وما علاقة ذلك بمركزي السمع والبصر الكائنين في الدماغ ؟ ، محل نظر وبحث بدأت بعض الإشارات العلمية بالتلميح إليها ، والمستقبل واعد بمزيد تجلية لهذا الموضوع . ( 4 ) وقال الأصفهاني في أوائل تفسيره : " اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام اللّه سبحانه وتعالى منزل ، - إلى أن قال مبينا أن اللّه عزّ وجل علم جبريل عليه السلام كيفية قراءة كلامه في السماء وهو ما سبق في المباحث الماضية - ثم جبريل عليه السلام أداه في الأرض وهو يهبط إلى المكان ، وفي ذلك طريقتان : إحداهما : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم انخلع من صورة البشرية ، إلى صورة الملكية ، وأخذه من جبريل عليه السلام ، وثانيهما : أن الملك نخلع إلى البشرية حتى يأخذه النبي صلى اللّه عليه وسلم منه ، والأولى أصعب الحالين " فتح الباري 3 / 123 ، مرجع سابق ، ولا شك أن الصورتين واردتان كما في حديث الحارث بن هشام المتقدم ص 68 .